العلاقات الدينيه بين فلسطين وروسيا

تربط روسيا بفلسطين علاقات دينيه خاصة ومتميزة على مدى قرون طويلة. فبعد اعتناق روسيا رسمياً الدين المسيحي بمذهبه الأرثوذكسي أُرسلت من عاصمة روسيا القديمة كييف بعثة دبلوماسية إلى القدس. وبعد مرور قرن على ذلك زار الأراضي المقدسة كبير الرهبان دانيال مع مجموعة مع الرهبان الروس. 

ومنذ القدم لم يكن الروس الأرثوذكس يأتون إلى فلسطين للصلاة والتبرك فحسب بل وكانوا أيضاً يقدمون العون للكنائس الأرثوذكسية القديمة. ففي القرن السادس عشر في عهد القيصرين ايفان الثالث وايفان الرهيب (الرابع). كانت ترسل إلى القدس من روسيا تبرعات حكومية ضخمة لدعم البطركيات الأرثوذكسية الممثلة هناك.

وقد طرحت في روسيا مرات عديدة مسألة إنشاء بعثة روحية كممثلية دائمة للكنيسة الروسية لدى بطركيات الشرق. وفي عام 1847 صادق القيصر نيقولا الأول على القرار الخاص بإنشاء البعثة.  وبعد ذلك صدر مرسوم من المجمع المقدس (السينودس) حول تأسيس البعثة الروسية الروسية في القدس. وفي شباط 1848 وصل إلى القدس القوام الأول من البعثة.

وفي ذلك الوقت كان الأرثوذكس في فلسطين بحاجة إلى الدعم المادي والمعنوي وخاصة العرب منهم، الذين كانوا يشكلون أغلبية رعية البطركية يعانون من تمييز معين من جانب اليونانيين. وبمساعدة الأرشمندريت بورفيري اوسبنسكي رئيس البعثة الروسية افتتح بطريرك القدس سيريل مدرسة يونانية عربية ملحقة بدير الصليب وعين رئيس البعثة الروسية قيماً على كافة المؤسسات التعليمية التابعة للبطركية كما تمّ إنشاء مطبعة لإصدار الكتب اللازمة للأرثوذكس العرب. وفي بطرسبورغ تاسست عام 1856 شركة الملاحة والتجارة الروسية لتنظيم رحلات الحج من أوديسا إلى يافا.

وفي عام 1859 تم إنشاء اللجنة الفلسطينية الخاصة برئاسة الأمير الأكبر قسطنطين نيكولايفتش نجل نيقولاي الأول.  وفي نيسان من العام نفسه قام الأمير قسطنطين بزيارة القدس مع عائلته. وكان ذلك أول حج يقوم به أفراد العائلة القيصرية. وقد تفقد الأمير الروسي أول مبنى مقتنى من قبل الروس في القدس وهو مكان يقع قرب بالقرب من كنيسة القيامة (دار الكسندروف) وكذلك قطعة كبيرة من الأرض في شمال غرب المدينة القديمة.

في ايار 1882 جرى افتتاح الجمعية الفلسطينية  ولا تزال  المنطقة التي افتتحت فيها  تسمى للأن بالمسكوبية نسبة الى المسكوب (اهل موسكو). وقد اضيفت الى تسمية الجمعيه كلمة الامبراطورية عام 1889. وكان نجلا القيصر الكسندر الثاني وشقيق القيصر الكسندر الثالث الأمير الكبير سيرغي المؤسسين ورئيسين لهذه الجمعية.

 يعتبر تأسيس هذه الجمعية محطة هامة في تاريخ العلاقات بين روسيا وفلسطين. فهي لم تقتصر على الاهتمام باحتياجات الحجاج الروس القادمين إلى الأراضي المقدسة وإنما كانت تبدي المساعدة والدعم بصورة مباشرة إلى أبناء الطوائف الأرثوذكسية في بلاد الشام وذلك على كافة المستويات الدينية والثقافية والتعليمية والاقتصادية، وعكفت على انشاء المدارس والمعاهد والمركز البحثيه والتعليميه.

وبحلول عام 1914 وصل عدد المدارس ودور المعلمين والمعاهد الدينية الروسيه في فلسطين إلى 113 مدرسه ومركز،  وقد كانت تثير الاهتمام الكبير مدرسة البنات ببلدة بيت جالا في فلسطين التي أسسها الأرشمندريت أنتونين كابوستين والتي وضعت لاحقاً تحت إشراف الجمعية الامبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية.

ولكن اندلاع الحرب العالمية الأولى في صيف عام 1914 وانضمام تركيا إلى التحالف المضاد لروسيا وانجلترا وفرنسا ثم وصول البلاشفة إلى الحكم بعد ثورة أكتوبر عام 1917 أدى إلى حدوث تغييرات جذرية في أوضاع الجمعية والمدارس التابعة لها و كذلك في العلاقات التي كانت تربط روسيا وفلسطين.

فقد انقطعت هذه العلاقات لمدة طويلة وبقيت البعثة الروحية الروسية والمواقع التابعة للجمعية الامبراطورية الارثوذكسية الفلسطينية من كنائس وأديرة ومدارس ومعاهد بيت القديس سيرجيو ودور الحجاج بدون اي عناية أو دعم.

وقد كانت البعثة من الناحية القانونية الكنسية منفصلة عن بطركية موسكو ثم أضحت تابعة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية في الخارج التي حرصت في غضون عشرات السنين على حفظ الممتلكات الأرثوذكسية الروسية في القدس.

في 22 أيار عام 1992 تبنت هيئة رئاسة مجلس السوفيت الأعلى لروسيا الاتحادية قراراً يوصي الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة إنشاء الجمعية الامبراطورية الارثوذكسية الفلسطينية واسترجاع ممتلكاتها وحقوقها.

وفي عام 1997 وبموجب قرار السلطة الوطنية الفلسطينية تم تسليم بطركية موسكو موقعا كنسيا في بيت لحم  تعبيرا عن ارادة طيبة  وذلك أثناء زيارة بطريرك موسكو وسائر روسيا الكسي الثاني لفلسطين بمناسبة الاحتفال بمرور 150 عاماً على تأسيس البعثة الروحية الروسية في القدس.

وبعد شهر من ذلك اي في حزيران 1997 أعيدت للكنيسة الأرثوذكسية الروسية ممتلكات أخرى في بيت لحم والخليل وأريحا التي كان الأرشمندريت انتونين قد ابتاعها والتي كانت حتى الفترة الأخيرة تابعة للكنيسة الروسية في الخارج ومن ضمنها موقع شجرة الجميز في أريحا (شجرة زكا العشار) الذي تبلغ مساحتها حوالي 12 ألف متر مربع.

واستنادا الى كل ذلك فان فلسطين هي الارض المقدسه بالنسبة للمواطن الروسي الارثوذوكسي، حتى ان الكثيرين يسمونها هنا في روسيا بـ "فلسطين الروسيه" تعبيرا عن مكانتها الدينيه لدى المواطنين الروس، ولا عجب بالتالي ان يتزايد عدد الحجاج الروس الى الارض المقدسه فلسطين  سنويا وبارقام كبيره ليبلغ عام 2012 الى حوالي 450 الف حاج حسب ارقام وزارة السياحه والاثار الفلسطينيه، الامر الذي يضع روسيا في خانه الشريك السياحي الاول لفلسطين.

وبالاضافة لذلك واذا ما اخذنا بعين الاعتبار ان الديانه الثانيه في روسيا هي الاسلام حيث يبلغ مجموع مسلمي روسيا حوالي 25 مليون مسلم، تشكل القدس بالنسبة لهم ثالث اهم مكان مقدس للمسلمين بعد مكة والمدينه، فهى قبلتهم الاولى ومسرى نبينا محمد عليه السلام، ومنها كان معراجه الى السماوات العلا،  فهي اقرب مكان بين الارض والسماء، الامر الذي يجعل افئدة مسلمي روسيا تهوى بيت المقدس واكناف بيت المقدس، ويربطهم بها رباطا روحيا ويحرصون على زيارتها ويدعون في صلواتهم الى السلام والاستقرار والامن لشعبنا الفلسطيني الصابر على هذه الارض المقدسه.

ولكل ذلك يحرص السيد الرئيس محمود عباس كما حرص من قبله الشهيد الراحل ياسر عرفات على ان يلتقي في كل زياره له الى روسيا مع غبطه البطريرك كيريك بطريرك موسكو وعموم روسيا وكذلك مع الشيخ راوي عين الدين رئيس مجلس الافتاء في روسيا الاتحاديه، نظرا لمعرفته سيادته بما تمثله فلسطين لهما ولاتباعهما في الديانتين المقدستين.

هذا الحرص من جانب سيادة الرئيس يقدره عاليا المسلمين والمسيحيين في روسيا الاتحاديه وقد عبروا عن ذلك بقيام المفتي راوي عين الدين بتقليد السيد الرئيس وسام الفخر وهو اعلى وسام ديني اسلامي وذلك في نهاية عام 2008.

كما قام البطريرك كيريل بمنح السيد الرئيس جائزه صندوق وحدة الشعوب الارثوذوكسيه في يناير 2011  تقديرا لمواقف سيادته ومساهماته الانسانيه في خلق افضل الظروف للتعايش بين الاديان. كما قام السيد الرئيس بمنح البطريرك كيريل وسام نجمة بيت لحم وذلك خلال زيارته الى فلسطين في نوفمبر 2012.