| الوضع السياسي في الشرق الاوسط .. رمال متحركه |
| سفير فلسطين لدى روسيا الاتحادية د. فائد مصطفى |
تعيش منطقه الشرق الاوسط هذه الايام في مرحله من المتغييرات المتلاحقه ، فرضتها طريقه اسرائيل في معالجه سفن اسطول الحريه ، هذه المعالجه الدمويه والتي اقترفت فيها اسرائيل جريمه ضد سفن تحمل اعلام دول لها سيادتها وعلى متنها رعايا حوالي 32 دوله في المياه الدوليه سقط بنتيجتها العديد من القتلى والجرحى وخلق حاله من التوتر الشديد في المنطقه وادانه دوليه واسعه .
هدف اسطول الحريه كان في ايصال المساعدات الانسانيه الى سكان قطاع غزه وتسليط الضوء على حصار هذا القطاع ، صحيح ان السفن لم تصل الى هدفها لكن الرساله التي حملها من كان على متن هذه السفن قد وصلت الى العالم جميعا ، حيث اصبح هذا العالم اكثر ادراكا لقسوه وظلم هذا الحصار والذي مضى عليه اكثر من اربع سنوات . عاشالاقتصادالفلسطيني على اثرةأزمات متفاقمةجراءاستمرارفرضالحصارالمحكمعلىقطاعغزة، مما أدى إلى تدمير مكونات الاقتصاد المحلي للقطاع، التي باتت معظم قطاعاته متوقفة عن العمل، بسبب التوقف المستمر لحركة الصادرات و الواردات من و إلى القطاع، و قد ادى ذلك الى شلل كامل أصاب الحركة التجارية في قطاع غزة ، وتوقف كلي لمعظم المنشآت الصناعية ، و حظر كلي للصادرات ، و خاصة الصادرات الصناعية و الزراعية ، و نفاذ المواد الخام اللازمة للعديد من الأعمال الصناعية و الزراعية في قطاع غزة ، علما أن نحو 90% من احتياجات أسواق القطاع تعتمد على الاستيراد من الخارج.
أهالي قطاع غزة الذين يصل عددهم المليون ونصف تخطت نسبة الفقر بينهم ثلثي السكان وفق توثيق لمؤسسات فلسطينية حكومية وأهلية، بينما تحدثت “اليونسيف” مؤخرا عن انتشار أمراض سوء التغذية وفقر الدم وضعف البنية وقصر القامة بين الأطفال ، نتيجة الحصار المضروب .
و في المقابل زادت معدلات البطالة و الناجمة عن الشلل شبه التام لكافة القطاعات الاقتصادية إلى أكثر من 85% بين القوى البشرية العاملة في القطاع، و بات العديد من العاملين في معظم القطاعات الاقتصادية غير قادرين على تأمين احتياجاتهم و احتياجات أفراد أسرهم الأساسية الضرورية، و خاصة الغذائية و الصحية منه، نظرا لفقدانهم مصادر الدخل.
إن غزة تعيش كارثة إنسانية بسبب الحصار المستمر وسلسلة المضايقات الاسرائيليه والدولية والمحلية التي عطلت عمل المؤسسات الخيرية والأهلية التي تدعم السكان الذين لا يستطيعون توفير قوت أطفالهم.
كل ذلك وعلى اثر حادث اسطول سفن الحريه دفع المجتمع الى تسليط الضوء على هذه الكارثه الانسانيه ، وبهدف امتصاص هذه المطالب الدوليه برفع الحصار حاولت اسرائيل الالتفاف على ذلك باعلانها عن خطوات لتخفيف الحصار ، ونحن نرى في ذلك خطوه مرفوضه لان المطلوب هو إنهاء الحصار عن قطاع غزة ورفعه بالكامل وليس مجرد تخفيفه،لكونه جريمة حرب مخالفة للقانون الدولي، حيث ان مجرد تخفيف الحصار يمنح ما يتبقى منه الشرعيه ، ويبقي السيطرة الكاملة الإسرائيليةعلى معابرنا بدلا من تحويلها لسيطرة السلطة الوطنية والمراقبينالدوليين ، وهو ما يجب ان يرفضه ايضا المجتمع الدولي >كما طالب بذلك الرئيس محمود عباس ، وحث الإدارة الأمريكية ودول الإتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي ككل بوجوب العمل على ممارسة الضغط على اسرائيل لرفع الحصار بكافة أشكاله وبما يشمل كافة المعابر بين إسرائيل وقطاع غزة وتلبية كافة حاجات أبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة وحرية الأفراد بالتنقل ، مؤكدا بأن الحديث عن تخفيف الحصار سيعني فقط ألاعيب للعلاقات العامة ، فالمطلوب هو رفع الحصار بشكل كامل .
وفي خضم كل هذه الاجواء المرتبطه بقطاع غزه لا تزال عمليه السلام تراوح في مكانها منذ جاءت حكومه بنيامين نتانياهو منذ بدايه العام 2009 ، هذه الحكومه التي اعلنت استمرارها في بناء المستوطنات وبالذات في مدينة القدس ، كما رفضت تنفيذ التزامات اسرائيل بموجب خطه خارطه الطريق ، بالاضافة الى رفضها استئناف المفاوضات من النقطه التي توقفت عندها في عهد حكومة اولمرت . الامر الذي يعني ان عمليه المفاوضات مع حكومه ترتكز على هذه المواقف ستكون مفوضات عبثيه .
وأمام مطالب المجتمع الدولي وانطلاقا من حرص السلطه الوطنيه الفلسطينيه على التعاطي بايجابيه مع موقف المجتمع الدولي تمت الموافقه الفلسطينيه على المقترح الامريكي والمرحب به من اللجنه الرباعيه باستئناف المفاوضات غير المباشره والتي ستستمر لمدة اربعة اشهر تنتهي في سبتمبر المقبل ، ويكون خلالها التركيز على موضوعي الحدود النهائيه ما بين اسرائيل والدوله الفلسطينيه والترتيبات الامنيه بين الدولتين . وانه في حال نجاح المفاوضات غير المباشره في هذان الموضوعان يمكن بعدها استئناف المفاوضات المباشره بين الطرفين لمعالجه باقي قضايا الحل النهائي وهي قضايا اللاجئين والمستوطنات والقدس والمياه والتي حددت لها اللجنه الرباعيه في اجتماعها الاخير في مارس الماضي في موسكو مده 24 شهر للانتهاء من كل هذه القضايا لاقامة الدوله الفلسطينيه .
لا نستطيع القول حتى الان ان هناك تقدما قد تحقق ، المماطله في اعطاء الاجابات المحدده والتصورات الاسرائيليه في هذان الموضوعان – الحدود والامن – لا تزال هي السياسه التي تسير عليها الحكومه الاسرائيليه ، ومن المؤكد انها سوف تسير على نفس النهج اذا لم يتحرك المجتمع الدولي واللجنه الرباعيه والاطراف الفاعله لممارسه الضغط على هذه الحكومه لدفعها للتعاطي بجديه مع العمليه السياسيه . ولتنفيذ ما هو مطلوب منها من المرحلة الأولى من خارطة الطريق والتي تشمل إضافة إلى وقف كافة النشاطات الاستيطانية ، وفتح المكاتب والمؤسسات المغلقة في القدس الشرقية ، وإزالة الحصار والإغلاق عن الضفة وقطاع غزة بكافة الأشكال ، والإفراج عن المعتقلين ، وإعادة الأوضاع على الأرض إلى ما كانت عليه قبل أيلول 2000 .
في هذه الاثناء لا يزال الانقسام الفلسطيني على حاله ، حيث لا تزال حركة حماس ترفض التوقيع على وثيقه المصالحه التي اعدتها جمهوريه مصر العربيه ووقعت عليها حركة فتح ، والرئيس محمود عباس لا يزال يبذل الجهود من اجل معالجه هذا الانقسام ، وقام باصدار قرار رئاسي بتشكيل وفد من شخصيات رسميه ومن المستقلين بهدف الذهاب الى غزه والى اي مكان يريد من اجل التباحث مع كل الاطراف بهدف تذليل العقبات التي تحول دون اتمام المصالحه ، هذا الوفد برئاسه السيد منيب المصري لا يزال يعمل ولا يزال يحاول ، الامور ليست ممهده تماما لكن المحاولات لا تزال متواصله .
وفي هذا الصدد نقدر عاليا لروسيا موقفها المتقدم بشأن رفع الحصار عن قطاع غزه وهي التي تطالب منذ البدايه برفعه بما يعطي المجال للناس في قطاع غزه من ان يعيشوا حياتهم الطبيعيه . وكذلك مواقفها الحريصه على تحقيق الوحده الفلسطينيه ، وجهودها المتواصله من اجل انجاح عمليه التسويه السياسيه سواء بصفتها عضوا في اللجنه الرباعيه الدوليه او عضوا دائما في مجلس الامن او في علاقاتها الثنائيه ، وليس ادل على ذلك من زياره وزير الخارجيه السيد سيرجي لافروف الى منطقه الشرق الاوسط مؤخرا ولقاءاته في رام الله وتل ابيب والقاهره في اطار المحاولات المتواصله لتحقيق تقدم في كل هذه الملفات والوضع في الشرق الاوسط عموما .
فبقاء الاوضاع في الشرق الاوسط على هذا النحو سيكون لها تداعيات كبيره على الاستقرار الاقليمي والدولي ، وانه ان الاوان لوضع حد لهذا الصراع على قاعده القانون الدولي والمرجعيات الدوليه ، بما يتيح لشعبنا الفلسطيني التحرر من الاحتلال الاسرائيلي الذي بدا في العام 1967 واقامة الدوله الفلسطينيه المستقله وعاصمتها القدس الشرقيه .
د. فائد مصطفى
سفير دولة فلسطين لدى روسيا الاتحاديه
ترجمة لمقال نشر في 01/07/2010 باللغة الروسية في صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا"