| وقفة في ذكرى النكبة الفلسطينيه |
| السفير د. فائد مصطفى |
تحل علينا هذه الايام الذكرى الـ 62 لنكبة شعبنا الفلسطيني التي بدات في العام 1948 ، والذي اضطر بعدها شعبنا ان يبدأ رحله العذاب والتشرد واللجوء في المنافي والمخيمات والشتات ، رحلة معاناة وقهر لا تزال متواصله حتى الان . مما فرض على هذه المنطقه ان تعاني من حاله عدم الاستقرار ، وشهدت معها العديد من الحروب ترتب عليها المزيد من المعاناة والويلات ..
وخلال هذه السنين الطويله امن شعبنا بالسلام ، وسعى اليه ، وبذل كل الجهود من اجل التوصل اليه .. ولكن اي سلام هذا الذي نبحث عنه ؟؟
انه بلا شك السلام العادل الذي يضمن لشعبنا حقوقه الوطنية كما عرفتها الشرعية الدولية ، ويمكنه من بناء مستقبله في دولته المستقلة، ويؤمن حلاً لقضية اللاجئين وفقاً للقرار الدولي 194 ، كما أكدت على ذلك كله مبادرة السلام العربية ، وهو ما يؤكده دائما رئيسنا محمود عباس الذي لا يزال يحمل غصن الزيتون ، ويؤكد تمسكه بالسلام .
ولاجل هذه الغايه قدم شعبنا تنازلاً تاريخياً ومؤلماً في مبادرة السلام الفلسطينية عام 1988، تمثل في القبول بدولة فلسطينية على 22% من أرض فلسطين التاريخية ، من اجل تحقيق المصالحه التاريخيه التي تضع حدا للحروب والمعاناة في هذه المنطقه .
وعلى هذه القاعده انطلقت عمليه السلام في المنطقه عام 1991 في مؤتمر مدريد للسلام ، بهدف ايجاد حل نهائي لهذا الصراع الذي طال امده ، وعلى هذه القاعده ايضا صدرت مبادرة السلام العربيه عام 2002 وصادقت عليها منظمة المؤتمر الاسلامي ، لتتحول الى مبادره عربيه اسلاميه تنص في جوهرها على استعداد كافه الدول العربيه والاسلاميه وعددها 57 دوله لاقامة علاقات طبيعيه مع اسرائيل مقابل انسحابها من كافة الاراضي العربيه المحتله عام 1967 ، وحل قضيه اللاجئين حلا عادلا استنادا الى قرارات الشرعيه الدوليه .. فاي حل تريده اسرائيل افضل من ذلك ؟؟.. لقد كانت النوايا الفلسطينيه والعربيه صادقه في توجهها نحو الحل ارتكازا على المفاوضات والعمليه السياسيه .
لكن في المقابل ، وبكل اسف ، فقد واصلت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة التعنت والمماطله ازاء استحقاقات هذا السلام، وبما شكل استهتاراً بقواعد القانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية، وحتى بالاتفاقات الموقعة من قبلها. كما وامعنت هذه الحكومات في تصعيد وتيرة الاستيطان وخاصة في مدينة القدس ومحيطها، وواصلت بناء الجدار، في تحدٍ سافر لارادة المجتمع الدولي، وفتوى المحكمه الدوليه في لاهاي، وكل الجهود المبذولة لاحياء عملية السلام... وها هي اليوم تحاول نزع القدس من محيطها الفلسطيني نهائياً من خلال ممارساتها الاستيطانية على الارض بالتوازي مع محاولة اخراجها من المفاوضات . كما وتعمل على تكريس الجدار حدوداً سياسية، في تناقض واضح مع الشرعية الدولية. وهي بذلك تسعى لفرض الرواية الاسرائيلية التاريخية بديلاً عن المرجعية التي حددتها الشرعية الدولية للعملية السياسية .
ان القاعده القانونيه لحل هذا الصراع متوفره وذلك من خلال العشرات من قرارات مجلس الامن والمئات من قرارات الجمعيه العامه للامم المتحده ، وبيانات اللجنه الرباعيه الدوليه وخطه خارطة الطريق ومبادره السلام العربيه والاتفاقيات الموقعه بين الطرفين ، ونحن في كل ذلك ملتزمون التزاما تاما .. وعناصر الحل في كل ذلك هو دولتان تعيشان جنبا الى جنب في امن وسلام وتعاون ، الدوله الاولى وهي اسرائيل موجوده منذ العام 1948 ، والمطلوب هو وجود الدوله الثانيه فلسطين على كامل الاراضي الفلسطينيه المحتله عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف .. هذا يعني ان ما نحتاجه في هذا الصراع اذن هو اراده التنفيذ والالزام .
والمجتمع الدولي يتحمل مسؤوليه كبيره في استكمال تنفيذ هذا الحل ، فكما كان المجتمع الدولي مسؤولا عن تنفيذ النصف الاول من القرار 181 عام 1947 القاضي بتقسيم فلسطين الى دوله عربيه ودوله يهوديه ، فاقيمت على اثره دوله اسرائيل ، الا ان النصف الثاني من القرار والقاضي بانشاء دوله فلسطينيه لا يزال ينتظر التنفيذ .. وفي هذا تحد كبير للمجتمع الدولي ، الذي يجب ان لا يسمح ان يكون القرار بانهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي المحتله هام 1967 بيد اسرائيل وخاضع للمزاج الاسرائيلي ، كما ان على المجتمع الدولي ان لا يسمح لاسرائيل ان تستمر في سياساتها كدوله فوق القانون الدولي ، ترمي بعرض الحائط الاجماع الدولي ، وترفض تنفيذ قرارات الشرعيه الدوليه .
لقد آن الأوان لتحقيق السلام والعدالة لتمكين جميع شعوبنا، بما في ذلك اللاجئين الفلسطينيين، من العيش بكرامة وأمن ورخاء. لقد آن الأوان لإنهاء الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي لأرضنا وليتمتع شعبنا بالحرية والسلام ويسخر طاقاته وإمكانياته العظيمة لبناء دولته ومستقبل أبنائه.
لقد آن الأوان لأن تستجيب اسرائيل لإرادة المجتمع الدولي من أجل تحقيق السلام العادل والشامل وتحقيق المصالحة التاريخية بين الشعبين في الأرض المقدسة والمعذبة. فأمن اسرائيل مرتبط باستقلالنا وأمننا ، وأن بقاء الاحتلال وديمومة النكبة لا يجلب الأمن لأحد.
في هذا الصدد نقدر عاليا الجهود التي تبذلها روسيا لايجاد حل لهذا الصراع ، حيث تنشط الدبلوماسيه الروسيه مع كل الاطراف لتهيئة الظروف لانجاح عمليه السلام والوصول بها الى خط النهايه على قاعده القانون الدولي والمرجعيات المعترف بها دوليا والاتفاقيات الموقعه بين الطرفين ، بما يحقق الامن والاستقرار للجميع ، سواء اكان ذلك في اطار الدور الروسي في اللجنه الرباعيه الدوليه ، او في كونها عضوا دائما في مجلس الامن الدولي ، او في اطار العلاقات الثنائيه التي تربط روسيا بمختلف دول العالم . ونؤكد هنا ارتياحنا من الدور الذي تقوم به روسيا في هذا الشأن ، وثقتنا كبيره بأن هذه الجهود سوف تتواصل لما تمثله هذه المنطقه من اهميه استراتيجيه كبيره لروسيا ، وايضا للعلاقه التاريخيه متعددة الاوجه التي تربط روسيا بهذه المنطقه .
د. فائد مصطفى
سفير مفوض وفوق العادة لدولة فلسطين لدى روسيا الاتحادية.
نشرت باللغة الروسية في صحيفة زافترا الروسية في العدد 861 الصادر في 19/05/2010